الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:36 pm

رسائل تحت الشمس...
رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان




غسان كنفاني نبذة عن حياته:
ولد غسان كنفاني في عكا عام 1936 , وعاش في يافا و اضطر الى النزوح عنها كما نزح الاف الفلسطينيين بعد نكبة 1948 تحت ضغط القمع الصهيوني,حيث أقام مع ذويه لفترة قصيرة في جنويب لبنان,ثم انتقلت العائلة الى دمشق.
عمل كنفاني منذ شبابه المبكر في النضال الوطني,و بدأ حياته العملية معلما للتربية الفنية في مدارس و كالة غوث الاجئين الفلسطينيين في دمشق,ثم انتقل الى الكويت عام 1956 حيث عمل مدرسا للرياضة و الرسم,و كان في هذه الثناء يعمل في الصحافة.ثم انتقل الى بيروت عام 1960 حيث عمل محررا ادبيا لجريدة "الحرية" الاسبوعية,ثم أصبح عام 1963 رئيسا لتحرير جريدة المحرر كما عمل في "الانوار" و "الحوادث"حتى اسس صحيفة" الهدف" الاسبوعية و بقي رئيسا لتحريرها حتى استشهاده في 8 تموز 1972 .
يمثل كنفاني نموذجا خاصا للكاتب السياسي و الروائي و القاص و الناقد. نال جوائز عدة منها جائزة"اصدقاء الكتاب في لبنان"عن روايته "ما تبقى لكم",كما نال جائزة"منظمة الصحافيين العالمية" و جائزة"اللوتس".
اشهر مؤلفاته:موت سرير رقم 12,ارض البرتقال الحزين"قصص" ,عائد الى حيفا"رواية",ام سعد ,القبعة و النبي
أدب المقاومة في فلسطين المحتلة"دراسة",جسر الى الابد"مسرحية" و غيرها.

اسلط الضوء على اشهر رسائله

رسائل تحت الشمس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:42 pm


محاولة إهداء

إلى الذين لم يولدوا بعد

هذه السطور التي أهداني إياها ذات يوم وطنيّ مبدع لم يكن قلبه مضخة صدئة، أهديها بدوري إلى الذين قلوبهم ليست مضخات صدئة، وإلى الذين سيولدون بعد أن يموت أبطال هذه الرسائل


ولكن سيظل يحزنهم مثلي أن روبرت ماكسويل دفن في القدس في هذا الزمان الرديء، بدلا من أن يدفن غسان كنفاني في يافا ،،،


غادة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:43 pm

محاولة تقديم أولى

الخروج من الخاص إلى العام


1-الخنساء لم تصب بالعمى لكثرة ما رثت أخوتها القتلى وبكتهم –كما هو شائع في كتب الأدب-ولكنها رثت قتلاها وبكتهم لأنها كانت (عمياء) منذ البداية! إنها لم تر في الموت غير الموت. إنها لخطيئة مميتة أن لا نرى في الموت غير الموت

2- كي أتجنب السقوط في فخ الرثاء الذي أكرهه، والرومانسيات التي لا تجدي ، لن أكتب عن غسان كنفاني ،وإنما سأتركه هو يحدثنا عن نفسه

3- يخيل إلي أحيانا أننا جميعا تحدثنا عنه بما يكفي ، وأن الناس في شوق إلى سماع صوته هو .وهذا ممكن بفضل عادة سيئة طالما تملكتني ، هي الحوار الأبجدي مع رفاقي ، زادت في تفاقمها عادة سيئة أخرى من عاداتي وهي كثرة الترحال، بحيث تصير الرسائل أحيانا وسيلة التخاطب الوحيدة الممكنة وعبرها نتابع حوارنا الأدبي والحياتي

4- أترك غسان كنفاني يتحدث إليكم عن نفسه وعن

(الرجال الذين لا يمكن قتلهم)

5-حولوا الآن صفحة نفوسكم الهائجة الأمواج إلى صفحة بيضاء كالشاشة، وفوقها سترتسم كلماته كلسع النار والجليد معا ، تذكروا، أنا لست هنا لأرثيه بل لأشهر صوته على الذاكرة كالخنجر. وكل ما سأفعله هو (مونتاج ) صغير للذكريات ، وكل ما سأقوله لن يتجاوز ما يقوله معلق إذاعي يبذل جهدا غير بشري كي يكون محايدا وبشريا أمام شريط من أحداث له طعم المعجزة.

لماذا (المونتاج) ؟ لأن الذاكرة عين بملايين الأجفان نسدلها كالستائر جفنا بعد الآخر على ما كان، وسأرفع اليوم جفنا واحدا لأن المجال لا يتسع لمزيد . ولأن الذاكرة حنجرة بملايين الأصوات اخترت لكم منها إيقاعا واحدا هو صوت المذيع المحايد ، فصوت غسان ليس بحاجة إلى كورس إغريقي من الندابات .

6- قلت لكم صفحة بيضاء كالشاشة. حدقوا جيدا. الآن ترتسم فوق الشاشة صورة غسان وهو في العاشرة من عمره

(طفلا شقيا مبللا بمطر يافا الغزير، بعد أن ركض طويلا تحت المزاريب )


-هل ذكرت لكم أن كل ما هو ضمن قوسين أو باللون الأسود

منقول حرفيا من رسائله؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:44 pm

لقد تعمد غسان بمطر يافا ، وحين غادرها كان مطرها قد اخترق جلده إلى الأبد وصار من بعض دورته الدموية...وكان النسيان مستحيلا.

وكان غسان منذ البداية يتقن استعمال قلمه وسكينه معا ، ويؤمن بهما معا . كان صغيرا يوم أدخلوا أخته فايزة – وكان يحبها كما يحب وطنه- إلى غرفة العمليات بسبب ولادة عسيرة ، فاقتحم غرفة العمليات:

(( رفعت المشرط في وجه المسكين ولسون ، ذلك الاسكتلندي الطيب الذي كان يجد فيّ ما لم أجده أنا في نفسي . إنه يضحك بلا شك حين يذكر القصة. كنت أنا على حق رغم كل شيء ، وقلت له :ليمت الطفل ، ولكن إذا ماتت هي فستموت معها هنا . ورفضت أن أخرج وظللت مثل مجنون فار مثبتا ظهري إلى الزاوية وأنظر إليها مضرجة بالدم تحت أصابعه الباردة وحين تنفس الصعداء بعد قرن من الرعب أخذت أبكي، وسقط المشرط من يدي ...ولم أرها إلا بعد أن صار أسامة في الرابعة من عمره.....))

هكذا أرى غسان دائما : رجل قلمه من الناحية الثانية مشرط قاطع ، إنه الرجل الذي لا يحجم عن استعمال السلاح المناسب في الوقت المناسب ، طرف القلم وطرف المشرط ، وبوسعه :

( أن يصنع الحياة بمشرط جارح)

وبعد أن فقد الوطن:

(أحس كم كان فقدانه هولاً تساوت فيه إرادة العيش بشفرة المشرط. إنني لا أنسى حدقتيّ الدكتور ولسون حين كانت تسبح فيهما تلك الكرتان الزرقاوان ، كان رجلا قادرا على الفهم من فرط ما شاهد الناس يموتون ببساطة ، ويتركون العالم بملاجئ أقل).

وكان غسان يمتلك الملجأ الأكبر : الوعي بقضية ..بيقين.. بهدف..كان منذ البداية يعرف (الهدف) الوطن:

(سأظل أناضل لاسترجاعه لأنه حقي وماضيّ ومستقبلي الوحيد..لأن لي فيه شجرة وغيمة وظل وشمس تتوقد وغيوم تمطر الخصب... وجذور تستعصي على القلع)

( لقد حاولت منذ البدء أن أستبدل الوطن بالعمل ، ثم بالعائلة ، ثم بالكلمة، ثم بالعنف، ثم بالمرأة ، وكان دائما يعوزني الانتساب الحقيقي. ذلك أن الانتساب الذي يهتف بنا حين نصحو في الصباح: لك شيء في هذا العالم فقم.أعرفته؟ وكان الاحتيال يتهاوى ، فقد كنت أريد أرضا ثابتة أقف فوقها ، ونحن نستطيع أن نخدع كل شيء ما عدا أقدامنا ، إننا لا نستطيع أن نقنعها بالوقوف على رقائق جليد هشة معلقة بالهواء))

وكانت تمر لحظات من الألم الشرس في نفس غسان الفنانة المرهفة، وكان يعرف أن درب الانتماء هي ما تبقى له:

(أستطيع أن أكتشف ذلك كله كما يستطيع الجريح في الميدان المتروك أن ينقب في جروحه عن حطام الرصاص ، ومع ذلك فهو يخاف أن ينتزع الشظايا كي لا ينبثق النزيف. إنه يعرف أن الشظية تستطيع أن تكون في فوهة العرق المقطوع مثلما تكون سدادة الزجاجة ويعرف أن تركها هناك ، وحيدا في الميدان ، يوازي انتزاعها. فالنهاية قادمة ، لا محالة ....ولو كان شاعرا فارسا يمتطي صهوة الصحراء الجاهلية لاختار أن يموت رويدا رويدا : يده على كأسه الأخيرة ، وعينيه على النزيف الشريف )

ماذا يفعل بالضبط؟ يمشي نحو (الهدف) أي هدف :

(كما يؤمن التقي بالله والصوفي بالغيب)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:45 pm

وهذا النقاء الفذ ، هو مهمازه للوقوف إلى جانب أصدقائه حين يقعون في ورطة. فالشخصية وحدة لا تتجزأ – أو أنها هكذا على الأقل لديه- وبعد حرب حزيران ، ورغم ألمه الفادح للهزيمة ، فإن ذلك لم يلهه عن مد يد المساعدة إلى زميلة عمل مثلي رمت بها الأقدار في لندن – بالأحرى رمت هي بنفسها هناك للدراسة- فطردوها من العمل البيروتي ومن المحبة، وحكمت بالسجن ثلاثة أشهر لجرم لم تكن تدري أنها ارتكبته قبلها بعامين( وهو ترك العمل الدمشقي بدون إذن رسمي وهو أمر محظور على حملة الشهادات العالية)

وها هو في رسالة واحدة يحدثني عن ألمه الكبير ولا ينسى المساهمة عمليا في تخفيف ألمي الشخصي:

( ماذا أقول لك ؟ إنني أنضح مرارة...يعصر لساني الغضب مثلما يعصرون البرتقال على الروشة) ، ( أنا لا أستطيع أن أجلس فأرتق جراحي مثلما يرتق الناس قمصانهم)

لكنه لا ينسى رتق وجعي المادي والعملي المربك، فينفحني بجواز سفر ينقذني من العودة مرغمة إلى السجن، ويساهم في إيجاد عمل جديد لي بصيغة كلها فروسية كما لو كان هو بحاجة إلى أن أعمل!

(هام: كان أحمد بهاء الدين عندي اليوم وطلب مني جادا ورسميا أن أكتب لك رجاءه ورجاء مؤسسته – دار الهلال – بأن تكتبي للمصور من لندن رسائل أدبية وفنية وإذا شئت سياسية بأسلوبك. إن المصور مجلة جادة وذات توزيع مرتفع وتدفع أسعارا جيدة –إذا رغبت بذلك ابعثي له رسالة إلى دار الهلال بالقاهرة...إن ذلك في رأيي مرحلة جيدة ومفيدة ، وسيكون الاتفاق واضحا يحولون لك الفلوس إلى لندن أو يفتحون بها حسابا لك في القاهرة- إنه يهديك تحياته أيضا)....

ووصلت الرسالة بعد أن كنت باشرت العمل خارج حقل الصحافة ، وكان القرف يغمرني إثر تجربتي السابقة مع المجلة التي طردتني دونما إنذار، فتابعت عملي بدل أن أكتب للمصور لكن جواز السفر كان طوق نجاة ولمسة حنان أنقذتني من السجن ريثما أعتقني أوائل السبعينات فيما بعد عفو عام شملني.

بهذه الشفافية كان غسان يساعد رفاقه حين يسقطون وبمثل هذه الكلمات كان يشجع رفاق القلم حين يخذلهم العالم

(بوسعك أن تدخلي إلى التاريخ ورأسك إلى الأمام كالرمح. أنت جديرة بذلك)

غسان يحترم المرأة العاملة، ولا يخجل من دعمها علنا . لم يكن ثوريا فصاميا. كان حقيقيا وأصيلا في كل ما يفعله ، وكان الانسجام قائما لا بين فكره والعالم الخارجي فحسب ، بل بين فكره وجسده :

(هل تفهمين؟ إنني رجل مأساتي هي في ذلك التوافق غير البشري بين جسدي وعقلي، هكذا قال لي الدكتور ولسون يوما : ولذلك أنت مريض بالسكر يا صديقي)

لكن ذلك التوافق كان يجعل الصداقة وغسان حقيقية وحميمة وشاملة، وكنا نحبه كما هو داخل إطاره . وكما كان يأسى لمتاعبنا كنا نفرح لركنه العائلي الهادئ حيث يكتب ويرسم ويبدع، ونشعر أن ولديه فايز وليلى والرائعة آني من أفراد أسرتنا الكبيرة ، نحن الذين يربطنا أننا:

(نتعاون لنضع نصل الصدق الجارح على رقابهم) رقاب جلادي أسرتنا الكبيرة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:46 pm

من الرفض بدأ غسان ، الرفض الحقيقي الفذ :

(حياتي جميعها كانت سلسلة من الرفض ولذلك استطعت أن أعيش. لقد رفضت المدرسة ورفضت الثروة ورفضت الخضوع ورفضت القبول بالأشياء)

وذلك الرفض كله كان دربا لاختيار الانتماء الواعي العظيم الذي هو تتويج للتناقضات السابقة كلها بحيث تنتفي النظرة السطحية للأمور التي تصورها لنا على أنها تناقضات جوهرية ، وتكتمل لوحة الفسيفساء النفسية على نحو مدهش ، وكما عبر عنه غسان:

(إنني أتحدث عن وجود أكثر تعقيدا من ذلك وأكثر عمقا. ماذا أقول لك وكيف أشرح لك الأمور ؟ دعيني أقول لك كيف : أمس كنت أذوِّب شمعة فوق زجاجة ، أتلهى بهذه اللعبة التي يكون فيها الإنسان شيئا فوضويا وغامضا من زجاجة وقضيب شمع، وكان ذوب الشمع قد كسى جسد الزجاجة بأكمله تقريبا ، وفجأة ، سقطت نقطة من الشمع الذائب دون إرادة مني، وتدحرجت بجنون فوق تلال الشمع المتجمد على سطح الزجاجة ، واستقرت في ثغرة لم أكن قد لاحظتها من قبل ، وتجمدت هناك فجعلت ثوب الشمع بأكمله يتماسك من تلقائه)
ولكن الأمر لم يكن عشوائيا. ففي الخلفية كان هنالك إنسان يؤمن بأن : (هنالك رجال لا يمكن قتلهم إلا ممن الداخل) وهكذا يستعصي غسان على القتل منذ تماسك الداخل كما يستعصي أمثاله على الموت سواء كانوا من نوع الشهداء مع وقف التنفيذ أو كانوا من نوع الشهداء مع التنفيذ

وغسان لا يبالي بالموت بقدر ما يعي عبثية الحياة، لكن العبث يقوده إلى محاولة صنع المصير:

(إن الدنيا عجيبة ، وكذلك الأقدار. إن يدا وحشية قد خلطت الأشياء في المساء خلطا رهيبا فجعلت نهايات الأمور بداياتها والبدايات نهايات...ولكن قولي لي : ماذا يستحق أن لا نخسره في هذه الحياة العابرة؟ تدركين ما أعني...إننا في نهاية المطاف ستموت)


ولكن غسان عاش لحظات نصر ثورية جميلة، منها زيارته لغزة ولقاؤه بالمناضلين والناس هناك:

(إنني معروف هنا ، وأكاد أقول (محبوب) أكثر مما كنت أتوقع ، أكثر بكثير. وهذا شيء في العادة يذلني ، لأنني أعرف أنه لن يتاح لي الوقت لأكون عند حسن ظن الناس ، وأنني في كل الحالات سأعجز في أن أكون مثلما يتوقعون مني . طوال النهار والليل أستقبل الناس ، وفي الدكاكين يكاد الباعة يعطونني ما أريد مجانا ، وفي كل مكان أذهب إليه أستقبل بحرارة تزيد شعوري ببرودة أطرافي ورأسي وقصر رحلتي إلى هؤلاء الناس وإلى نفسي . إنني أشعر أكثر من أي وقت مضى في أنا كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح وأنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه ، وذلك كله يشعرني بغربة تشبه الموت وبسعادة المحتضر بعد طول إيمان وعذاب ، ولكن أيضا بذل من طراز صاعق)

هذا هو غسان المتواضع الفذ المناضل ( يبدو أنني أكاد أنزلق إلى فخ الرثاء الرومانسي. أعيدي رأسك إلى موضعه يا امرأة وتابعي الكتابة بحياد)

أجل يوم قرأت هذه الكلمات أحسست بشيء يشبه المطر داخل حلقي ، فمن غسان كنت قد سمعت للمرة الأولى بالمقاومة بصوت هامس يشبه الصلاة ، وكان رائعا أن أسمع عبره صدى الهمس رعدا يتنامى في القلوب والسواعد.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:46 pm

الرجل الذي وجد( الهدف ) ظل فريسة أوجاع جسدية :

( إن النقرس يفتك بي مثل ملايين الإبر الشيطانية ) ( إنني مريض حقا . لا أريد أن أشعرك بأي قلق علي ( إذا كان ذلك ممكنا ) ولكن الغرفة تدور الآن ، وكالعادة أحتاج كما أعتقد إلى نوم كثير )

حسنا والآن لنستعرض أسلوبه في مداواة النقرس والسكري:

( حولت صدري إلى زجاجة معبأة بالدخان المضغوط ، دخنت 6 علب وأمضيت النهار التالي أسعل وأدخن وأسعل وأدخن من جديد ، وأمس ليلا كان جسدي قد تعب من هذه اللعبة واستسلم أمام عنادي، وهكذا قمت فسهرت عند بهاء ثم اقتادني الأصدقاء بعد ذلك إلى الليل ونمت مع طلوع الصباح)

كان يعرف أنه لا شفاء لمرضه وإنما مجرد مصالحة معه في الموقع الوسط ، وهو يكره الحلول الوسط :

( ولكن في الوسط ؟ في الوسط الذي تعرفين أنني لا أستطيعه)؟

10- ولأن الطرف الثاني للمشرط الذي أراد به أن يصنع الحياة هو قلمه فقد كان نضاله الآخر التوأم في حقل الكتابة ، ولم يكن الكفاح أقل صعوبة ، وقبل أن تولد مجلته كان يتمزق أحيانا على هذا النحو:

( تسألين عن روايتي ؟ لم أكتب شيئا. أعمل في الصحافة كما كان يعمل العبيد العرايا في التجديف . لدي فكرة لمسرحية)

ثم تأتي بعض الانفراجات رغم كثافة الغيوم – أو بسببها!

(عبر هذا الازدحام الذي لا مثيل له (مؤتمر الكتاب الأفرو آسيوي) أنهمك كالمصاب بالصرع في كتابة المسرحية التي حدثتك عنها. أسميتها (حكاية الشيء الذي جاء من الفضاء وقابل رجلا مفلسا)
.
وأمس اقترحت لنفسي عنوانا آخر (النبي والقبعة) على أساس أن القبعة تستر رأس الرجل من الخارج والنبي يستره من الداخل...وما زلت في حيرة ، ولكن المسرحية تمشي على ما يرام . ما رأيك؟؟)

11- غسان الذي كان يقاتل بعيدا عن أرضه من أجل أرضه المستباحة وحبه الهارب يرسم صورته

( معذبا وبعيدا عن جواده وقلعته ، يقاتل بكل دمائه النبيلة ، ناجحا في أن يتجنب التلطيخ بوحل الميدان الشاسع . كان يعرف أن التراجع موت ، وأن الفرار قدر الكاذبين، إنه فارس اسبارطي حياته ملتصقة على ذؤابة رمحه، يعتقد أن الحياة أكبر من أن تعطيه ، وأنه أكبر من أن يستجدي، ولكنه يريد أن يعطي بشرف مقاتل الصف الأول. ليس لديه ما يفقده ورغم ذلك فهو يعرف أنه إذا فقد هذا الشيء الوحيد الذي يعتز به فإنه سيفقد نفسه)

12- روى لي غسان مرة أن والده حشا جرح صديقه بغبار العنكبوت جمعه من ثقوب سور عكا ، قال يومها إن الغبار أوقف النزيف.

فلنأمل بمفعول الغبار؟ لا ...غبار الأيام سيترسب فوق الجرح، لكنه سيكون مثل جراح روحنا كلها : تلتهب كلما هبت عليها الريح ..ريح الذاكرة وريح النسيان. تراني سقطت أخيرا في (خطيئة الحزن) ؟ حسنا من كان منكم بلا خطيئة ، فلترمه بحجر!....


غادة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:47 pm

محاولة تقديم ثانية

وفاء لعهد قطعناه




نعم .كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني......وكان له وجه طفل وجسد عجوز ..عينان من عسل وغمازة جذلة لطفل مشاكس هارب من مدرسة الببغاوات ، وجسد نحيل هش كالمركب المنخور عليه أن يعاجله بإبر الأنسولين كي لا يتهاوى فجأة تحت ضربات مرض السكري : هدية الطفولة لصبي حرم من وطنه دونما ذنب .....لم يكن فيه من الخارج ما يشبه صورة البطل التقليدية : قامة فارعة...صوت جهوري زجاجي .

لا مبالاة بالنساء 0إلى آخر عدة النضال) لأنه كان ببساطة بطلا حقيقيا.....

والأبطال الحقيقيون يشبهون الرجال العاديين رقة وحزنا لا نجوم السينما الهوليوودية الملحمية .....غير العادي في غسان كان تلك الروح المتحدية.....

النار الداخلية المشتعلة المصرة على مقاومة كل شيء ، وانتزاع الحياة من بين منقار رخ القدر ......نار من شجاعة تتحدى كل شيء حتى الموت...


***

نعم .كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني.....جسده المهترئ بالنقرس لا يرسمه جيدا ولا يعبر عنه ....ولكن حرفه يفعل ذلك بإتقان ...وحين أقرأ رسائله بعد عقدين من الزمن أستعيده حيا ... ويطلع من حروفه كما يطلع الجني من القمقم حارا ومرحا صوته الريح..يقرع باب ذاكرتي ..ويدخل بأصابعه المصفرة بالنيكوتين وأوراقه وإبرة ( أنسولينه) وصخبه المرح...ويجرني من يدي لنتسكع معا تحت المطر..ونجلس في المقاهي مع الأصدقاء...ونتبادل الموت والحياة والفرح بلا أقنعة ، والرسائل أيضا...



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:48 pm



نعم .كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني...التصق بعيني زمنا كدمعة نقية، وانتصب فوق أفقي كقوس قزح...ووفاء لضوء عرفناه معا ، دعوتكم مرة لمشاركتي في الإحتفال بعيد ميلاده الذي يتصادف في شهر نيسان في (لحظة حريتي) بمجلة الحوادث ولبيتم ، وها أنا أدعوكم اليوم إلى مهرجان من الألعاب النارية والنجوم هي رسائله...

والوفاء ليس فقط لعاطفتي الغابرة المتجددة أبدا نحوه ، بل وفاء لرجل مبدع من بلادي اكتمل بالموت لأنه كان أكثر صدقا من أن يسمح له عدوه بالحياة والكتابة والاكتمال بالعطاء ...موت غسان المبكر خسارة عربية على الصعيد الفني لا تعوض ، لم يمهلها العدو وقتا لتأخذ مداها من التأجج والسطوع...والأجمل من ذلك كله أنه كان مناضلا حقيقيا ومات فقيرا ..(وتلك ظاهرة في زمننا الموسخ بالخلط بين الثروة والثورة)...إنه رجل لم يتلوث بالمال ولا بالسلطة ولا بالغرور وظل يمثل النقاء الثوري الحقيقي.


***

نعم .كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني...أشعر دائما بالرغبة في إطلاقه كرصاصة على ذاكرة النسيان العربية...والأسباب كثيرة وعديدة ، وأهمها بالتأكيد أن غسان كان وطنيا حقيقيا وشهيدا حقيقيا وتكريمه هو في كل لحظة تكريم للرجال الأنقياء الذين يمشون إلى موتهم دون وجل لتحيا أوطانهم ، ولتخرج (القيم) و(المفاهيم) من صناديق اللغة الرثة، إلى عظمة الفعل الحي....لا أستطيع الادعاء-دون أن أكذب- أن غسان كان أحب رجالي إلى قلبي كامرأة كي لا أخون حقيقتي الداخلية مع آخرين سيأتي دور الاعتراف بهم – بعد الموت – وبالنار التي أوقدوها في زمني وحرفي ...لكنه بالتأكيد كان أحد الأنقياء القلائل بينهم.


***



نعم .كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني...ويعز علي أن أرى الغبار يتراكم فوق وجهه ، والعنكبوت يغزل خيوطه ببطء – ولكن باستمرار – فوق حروف اسمه بالرغم من الجهود المباركة للجنة تكريمه...أخشى أن يغوص في لجة النسيان هو وكل ما كان يمثله...لا جائزة أدبية باسمه، ولا شارع في مدينة عربية يخلده ( أرجو أن أكون مخطئة وقليلة الاطلاع )...ولا مهرجان أدبيا يكرسه... أفرح حين أرى ليوسف الخال هو – رياض نجيب الريس – يحمي اسمه من عث النسيان، وأتساءل : أين (جائزة غسان كنفاني) للرواية مثلا ؟ أم أن عليه أن يقرع جدران (الخزان) ؟...غسان ليس ملكا لمنظمة معينة فهو طفل الأمة العربية كلها وأحد الذين جسدوا أنبل ما فيها..أفكر به ، وقلبي على الحبيبة الفلسطينية الأخرى ولكن المكفنة بنسيان شبه شامل : سميرة عزام ...منذ غادرت الكنيسة حيث عزيت بها لم أر أحدا من الذين عرفوا وهج إبداعها يحاول بعث ذلك الضوء في نجمة...لم أسمع بأستاذ جامعي منهم كلف طالبة أو طالبا بإعداد رسالة جامعية عنها توثق لها وتحفظ ذكراها إلا فيما ندر ...والاحتفال بميلاد غسان كنفاني في صفحتي الأسبوعية بالحوادث ذات مرة ، وبرسائله اليوم ، هذا الاحتفال جزء من الاحتجاج على ذاكرة النسيان العربية ...لا أريد أن أرى الثلج يهطل فوق شاهدة قبره وأمثاله ويغطيها ببرود الجحود...فقد كان وطنيا من نوع فريد...لم يعرف المساومة ولا الرياء ولا رقصة التانغو السياسية: خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء...


***

نعم .كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني...والأستاذ جهاد فاضل لم يفتر علي ّ حين تحدث ذات يوم عن رسائل متبادلة بيننا سأقوم بنشرها دون حذف حرف منها...ولم يبح بسر شخصي حين خط سطوره ...على العكس، كنت أريد أن يكتب ما كتب، على أمل أن يتصل بي (الشخص) الذي ما تزال رسائلي بحوزته...فالذي حدث أن الشهيد غسان قتل والعلاقات الدبلوماسية بيننا على أفضل حال ، ولم يحدث ما يستدعي قطع العلاقات وسحب الرسائل والسفراء...وبعبارة أخرى: رسائله عندي ورسائلي عنده كما هي الحال لدى متبادلي الرسائل كلهم!!...

وأنتهز الفرصة لأوجه النداء إلى من رسائلي بحوزته (أو بحوزتها)..نداء أشاركهم فيه محبة غسان وأرجوهم جعل حلم نشر رسائلنا معا ممكنا كي لا تصدر رسائل غسان وحدها حاملة أحد وجوه الحقيقة فقط بدلا من وجهيها..وأنا والحق يقال لا أدري أين رسائلي إليه..كل ما أعرفه هو أن تلك الرسائل العتيقة لم تعد ملكا لأحد ، وإنما تخص القارئ العربي كجزء من واقعه الأدبي والفكري على لسان مجنونيّ حبر، صار أحدهما غبارا مضيئا منذ عقدين من الزمن ، وتستعد الأخرى لمهرجان التراب منذ ولادتها ...إنها رسائل تدخل في باب الوثائق الأدبية أكثر مما تدخل في باب الرسائل الشخصية بعدما ما انقضى أكثر من ربع قرن على كتابتها، فخرجت من الخاص إلى العام ، باستشهاد صاحبها قبل عشرين سنة.


***
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:49 pm

نعم .كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني...ونشر رسائلنا معا هو أيضا إقلاق لراحة الرياء ولنزعة التنصل من الصدق ...وهي نزعة تغذيها المقولات الجاهزة عن (التقاليد الشرقية) المشكوك أصلا في صحتها...أنا من شعب يشتعل حبا ، ويزهو بأوسمة الأقحوان وشقائق النعمان على صدره وحرفه...ولن أدع أحدا يسلبني حقي في صدقي....وإذا كانت جدتي المسلمة –مثلي- ولادة بنت المستكفي قد فتحت خزائن قلبها منذ تسعة قرون تقريبا ، فلم أخشى أنا ذلك في زمن المشي فوق سطح القمر ...ولماذا يكون من حقها أن تقول في ابن زيدون:

ترقب إذا جن الظــــــــلام زيارتــــــي..........فإنــــــــي رأيت الليل أكتم للسر

وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح..........وبالبدر لم يطلع وبالنجم لم يسر


فلماذا لا أجرؤ على نشر رسائلي ورسائله دونما تبديل أو تعديل-بغض النظر عما جاء فيها أو لم يجيء؟-..

للحقيقة سطوة ترفض مجاملة الزيف وركوعا مني لسطوتها سأنشر رسائل زمن الحماقات الجميلة دون تعديل أو تحوير ، لأن الألم الذي تسببه لآخرين عابرين مثلي هو أقل من الأذى اللاحق بالحقيقة إذا سمحت لقلمي بمراعاة الخواطر ...والحقيقة وحدها تبقى بعد أعوام حين أتحول وسواي من العابرين إلى تراب كغسان نفسه...ولذا قدمت هذا الاعتبار على أي اعتبار آخر ولسان حالي يقول : قد لا أريد أن أتذكر كي لا أجرح الحاضر، ولكنني لا أستطيع أن أنسى كي لا أخون ذاتي والحقيقة معا...

وريثما أحصل على رسائلي إليه فأنشرها ورسائله معا ، أكتفي مؤقتا بنشر رسائله المتوافرة، بصفتها أعمالا أدبية لا رسائل ذاتية أولاً ووفاء لوعد قطعناه على أنفسنا ذات يوم بنشر هذه الرسائل بعد موت أحدنا، ولم يدر بخلدي يومئذ أنني سأكون الأمينة على تنفيذ تلك الرغبة الكنفانية-السمانية المشتركة


***

نعم .كان ثمة رجل يدعى غسان كنفاني...وكان يعرف أن حبي للحقيقة يفوق أحيانا حتى حبي لذاتي، ومن هنا كانت الحرب التي لن تهدأ يوما بيني وبين المؤسسات المكرسة لرعاية الرياء الاجتماعي و(تطييب خاطره)...وإذا كنت قد جاملتها يوما فبالمقدار الذي يسمح لي بالبقاء على قيد الحياة لا أكثر، وعلى طريقة (غاليليو) الذي أعلن أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس-لأنها ببساطة الحقيقة وبغض النظر عمن تزعزع جذور حياته كشفها –ولكنه عاد وسحب مؤقتا كلامه وهو يهمس (ولكنها ما تزال تدور...)...

ونشر رسائل غسان كنفاني فعل رفض للخضوع لزمن الغبار الذي يكاد يتكدس في الحناجر وعصر التراجع صوب أوكار تزوير المشاعر البشرية الجائعة أبداً إلى حرية لا تؤذي وإذا فعلت فعلى طريقة مبضع الجراح لا خنجر قاتل الظلام

ثمة أديبة عربية نشرت رسائل حبيبها الشاعر خليل حاوي بعدما حذفت اسمها منها ( واحتراما لرغبتها لن أذكره) كما شطبت بنفسها بعض السطور التي وجدتها محرجة في حق سواها على الأرجح...ولم تنج من اللوم لأنها تجنت على الأمانة الأدبية ...وأنا أعتقد أن العتاب لا يجب أن يوجه إليها ، بل إلى القيم التقليدية السائدة التي تجعل سلوكا كهذا مفهوما – بل ومدعاة للاحترام- ..والهجوم لا يجوز أن يوجه للأديبة التي نفذت تعاليم مجتمعها ، بل لذلك المجتمع المهترىء بالزيف الذي يجد في أكبر حقائق الحياة عيبا يجب التنصل منه في حجرات السر المظلمة ...

وليس من حقنا معاتبة تلك الأديبة على مزاجها الشخصي في المقاومة ، ولا الطلب من جميع الأديبات لعب دور العين التي تقاوم المخرز ...بل علينا أولا ضرب اليد التي تمتد بأصابعها السكاكين لتقص أغصان أية شجرة تومض فيها شرارات الحقيقة..كي لا تضرم نار عشق الصدق في غابات القلوب المتعطشة إلى حرية الضوء ، التائهة أمام المعادلة المستحيلة: كيف نضيء دون أن نحترق؟!..


***
نعم .كان ثمة رجل يدعى غسان كنفاني...وتسديد طعنة إلى (جمعيات الرياء المتحدة) أمر كان سيطرب له غسان ، كما كان سيفرح بإحياء ذكر أي شهيد نقي يستحق من ذاكرتنا حيزا أكبر من الذي رصدناه له ...ولعل ذلك أحد الأسباب التي دعتنا يوما للعهد الذي قطعناه على أنفسنا بنشر رسائلنا معا وهو عهد ربما كنت سأتملص من تنفيذه أو أؤجله لو لم أشعر أن هذه الرسائل خرجت من الخاص إلى العام بمرور الزمن.

ولكن ثمة عوامل أخرى أيضا تحثني على نشر رسائل غسان كنفاني دونما تردد ، منها مثلا رسم شخصية (الفدائي) من الداخل ....أي مناضل في أي وطن ...

ثمة ميل دائم في الأدب العربي بالذات لرسم صورة (المناضل) في صورة (السوبرمان) ولتحييده أمام السحر الأنثوي وتنجيته من التجربة..وفي رسائل غسان صورة المناضل من الداخل قبل أن يدخل في سجن الأسطورة ويتم تحويله من رجل إلى تمثال في الكواليس المسرحية السياسية ....

وهي صورة أعتقد أن بوسعها أن تغني أدب الجيل الطالع عامة وأدب المقاومة خاصة وتبعده عن هوة الضوضاء الخطابية المهرجانية السياسية التي يلقى الإبداع فيها مصرعه بعدما حلت الإنشائيات والرطانات المدرسية المزودة بمكبرات الصوت محل دقات القلب .وبهذا المعنى تبدو لي قراءة رسائل غسان كنفاني ضرورة للروائيين الشباب....حيث يطلعون على صورة حية لحياة شهيد حقيقي بعيدا عن أقنعة التزوير .....وأعتقد أن ( أنسنة) فكرة الشهيد لا تؤذي القضية ، بل على العكس من ذلك، تساعد كل إنسان على اكتشاف العملاق الذي يقطنه مهما بدا لنفسه أو للذين من حوله مريضا وضعيفا – بالمفاهيم التقليدية- وعاشقا مهزوما كسره الحب حيناً وملأه بالزهو والاعتداد أحيانا ....

سنكتشف في رسائل غسان أن كلاً منا يستطيع أن يكون مهما لوطنه إذا تبع صوت قلبه بلا وجل حتى النهاية وتخلص من الازدواجية بين المشاعر والسلوك قدر الإمكان، فإذا أحب وطنه حتى الموت مارس ذلك الحب سلوكا ، لا خطبا طنانة على المنابر فقط....

بهذا المقياس أرى كنفاني شهيدا نموذجيا بالمعنى العالمي والإنساني للكلمة ورسائله تجسد هذا النقاء الثوري البعيد عن (التبتل الاستعراضي) والفساد السري، ولعبة الرصانة الديكورية والأقنعة اللا مقنعة...


***

الوفاء للعهد على نشر هذه الرسائل بعد خروجها من الخاص إلى العام بحيث صارت وثيقة أدبية ...التأسيس لنوع أدبي منتشر في الدنيا بكثرة ويكاد يكون معدوما عندنا هو أدب المراسلات غير الرسمية ، مراسلات الاعتراف : اللون الناقص شبه المفقود في لوحة الأدب العربي . عشق الحقيقة...إحياء ذكرى غسان ...الإعلان عن عاطفة نبيلة تزويرها يدعو إلى الخجل لا كشفها .تكريم الشهيد .....أهذه وحدها تقف خلف رغبتي في نشر رسائل كنفاني؟؟

ها أنا أستجوب نفسي في لحظة صدق وأضبطها وهي تكاد تتستر على عامل نرجسي لا يستهان به : الفخر بحب رجل كهذا أهدى روحه لوطنه وأنشد لي يوما ما معناه

مولاي وروحي في يده ..........إن ضيعها سلمت يده

وأعتقد أن كل أنثى تزهو (ولو سراً) بعاطفة تدغدغ كبرياءها الأنثوي ....وأنا بالتأكيد لا أستطيع تبرئة نفسي من ذلك جزئيا!...ولكني في الوقت ذاته أتساءل : إلى أي مدى تضيف رسائل غسان إلى صورته في الأذهان (أو تنقصها)؟..وأجد بكل الإخلاص أن هذه الرسائل تمنح صورته بعداً إنسانيا جميلاً أخاذاً يذكر بشخصية طالما أحبها غسان هي شخصية (الدكتور جيفاكو) التي أبدعها الأديب الروسي (باسترناك) وكان غسان يحبها كثيرا (قدر كرهي لشخصية حبيبته لارا في الرواية وكانت مستسلمة تركت قدرهما يدمرهما معا ). ولعل غسان كان يعي ذلك حين طلب مني أن أعاهده على نشر تلك الرسائل ذات يوم بعيد كأنه البارحة .إنها وجهه الحقيقي أو أحد وجوهه الأصلية..


***


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:50 pm

نعم .كان ثمة رجل يدعى غسان كنفاني...وأعترف لذكراه أن فكرة إحراق الرسائل راودتني مراراً ، وأنا أنشد مع الجوقة ضد المشي بين القبور هربا من الثمن الذي يدفعه كل من يجرؤ على إقلاق راحة الرياء....في ممالك الأقنعة واللاوفاء

ولكن للرسالة سحرا أبيض لا أسود...يتحول فيها المرء إلى رقعة ملساء نقية اسمها الورقة، وتخط الروح فوقها رموز الصدق...

الرسالة جموح القلب إلى المستحيل،وشهية الأشواق إلى تقمص اللغة حتى البقاء . والمظروف أحد أكفان لحظات الخلود الصغيرة، حين لا يخطر ببال المرء أنه سيتحول من رجل إلى طابع بريد!..ومن عاشق إلى شهيد...

وإلى جانب النرجسية الصغيرة التي لا يخلو منها أحد (بعضنا يعترف وبعضنا يكابر) ، ثمة شعور بالجميل أحمله نحو غسان الصديق وسبق لي أن عبرت عنه في حواري مع الدكتور غالي شكري- الذي صدّر به كتاباً نقدياً له عني- منذ خمسة عشر عاما .

وهو شعور بالجميل لا يزيده الزمن إلا تأججا وسطوعا ....ذات يوم، كنت وحيدة ومفلسة وطريدة،وحزينة، فشهر بعض (الأصدقاء) سكاكينهم بانتظار سقوط (النعجة) – على عادة الدنيا معنا- ....يومها وقف كنفاني إلى جانبي وشهر صداقته...كنت مكسورة بموت أبي ، ومحكومة بالسجن لذنب أفخر به، ولكن غسان أنجدني بجواز سفر، ريثما صدر أوائل السبعينات عفو عام شملني....


***

نعم .كان ثمة رجل يدعى غسان كنفاني..ورسائله تستعصي على التجزئة –باستثناء المقاطع السياسية منها التي سبق أن نشرتها في المجلة التي أسسها بنفسه-تخليداً لذكراه في مناسبة سابقة...

أما ما تبقى من الرسائل، فأترككم معها دون أن أنسى التعبير عن أسفي لحريق بعضها(بعض رسائل عام 1968-1969)يوم احترق بيتي في بيروت خلال الحرب مطلع عام 1976.ولو لم أكن قد احتفظت بهذه الرسائل في لندن –مصادفة-لذهبت هي أيضا طعمة للنيران...وكل ما أتمناه هو أن أرى رسائلنا كلها منشورة معا كما حلمنا يوماً..رسائلي ورسائله،حتى تلك التي احترقت!...

ولعلي كنت حنثت بعهدي لغسان على نشر تلك الرسائل، لو لم أجد فيها وثيقة أدبية وسيرة ذاتية نادرة الصدق لمبدع عربي ، مع الوطن المستحيل والحب المستحيل...وثيقة ثرية بأدب الاعتراف الذي تفتقر إليه مكتبتنا العربية . والرسائل بهذا المعنى تسد نقصا سبقتنا الأمم الأخرى إلى العطاء في مجاله، وتؤسس لنوع جميل من الأدب مازلنا نتهيب أمام بحاره ، ومن أجدر من القلب العربي الثري للخوض في لجته.


********
انشريها لا تتركيني أموت!

عند كوبي المكسور،حزمة أوراق..........وعمر في دفتيها شَمِـيتُ

احمليهــــا، ماضي شبابك فيهـــــا..........والفتون الذي عليـه شَقِيتُ

اقرئيهــــــــا،لا تحجبـي الخلد عنها..........انشريهـا،لا تتركيني أموتُ

عمر أبو ريشة

ودع الصبـر محب ودعـك..........ذائع من سره ما استودعك

يا أخـا البدر سناء وسنى.......... حفظ الله زمانــــــــا أطلعك

إن يطــــل بعدك ليلي فلكم..........بت أشكو قصر الليــل معك

ولادة بنت المستكفي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:52 pm

والآن

إليكم الرسائل ،،،



\
/
\
/
\

رسالة غير مؤرخة-لا أذكر التاريخ!....لعلها أول رسالة سطرها لي ،،،

غادة..

أعرف أن الكثيرين كتبوا إليك، وأعرف أن الكلمات المكتوبة تخفي عادة حقيقة الأشياء خصوصا إذا كانت تُعاش..وتُحس وتُنزف على الصورة الكثيفة النادرة التي عشناها في الأسبوعين الماضيين...ورغم ذلك، فحين أمسكت هذه الورقة لأكتب كنت أعرف أن شيئا واحدا فقط أستطيع أن أقوله وأنا أثق من صدقه وعمقه وكثافته وربما ملاصقته التي يخيل إلي الآن أنها كانت شيئا محتوما، وستظل كالأقدار التي صنعتنا: إنني أحبك.

الآن أحسها عميقة أكثر من أي وقت مضى، وقبل لحظة واحدة فقط مررت بأقسى ما يمكن لرجل مثلي أن يمر فيه ، وبدت لي تعاساتي كلها مجرد معبر مزيف لهذه التعاسة التي ذقتها في لحظة كبريق النصل في اللحم الكفيف...

الآن أحسها ، هذه الكلمة التي وسخوها ، كما قلت لي والتي شعرت بأن علي أن أبذل كل ما في طاقة الرجل أن يبذل كي لا أوسخها بدوري.

إنني أحبك: أحسها الآن والألم الذي تكرهينه – ليس أقل ولا أكثر مما أمقته أنا – ينخر كل عظامي ويزحف في مفاصلي مثل دبيب الموت.

أحسها الآن والشمس تشرق وراء التلة الجرداء مقابل الستارة التي تقطع أفق شرفتك إلى شرائح متطاولة...

أحسها وأنا أتذكر أنني لم أنم أيضا ليلة أمس، وأنني فوجئت وأنا أنتظر الشروق على شرفة بيتي أنني – أنا الذي قاومت الدموع ذات يوم وزجرتها حين كنت أُجلد – أبكي بحرقة.بمرارة لم أعرفها حتى أيام الجوع الحقيقي ، بملوحة البحار كلها وبغربة كل الموتى الذين لا يستطيعون فعل أيما شيء ...وتساءلت: أكان نشيجاً هذا الذي أسمعه أم سلخ السياط وهي تهوي من الداخل؟

لا..أنت تعرفين أنني رجل لا أنسى وأنا أعْرَفُ منك بالجحيم الذي يطوق حياتي من كل جانب ، وبالجنة التي لا أستطيع أن أكرهها ، وبالحريق الذي يشتعل في عروقي ، وبالصخرة التي كتب علي ّ أن أجرها وتجرني إلى حيث لا يدري أحد ...وأنا أعرف منك أيضاً بأنها حياتي أنا ، وأنها تنسرب من بين أصابعي أنا ، وبأن حبك يستحق أن يعيش الإنسان له ، وهو جزيرة لا يستطيع المنفيّ في موج المحيط الشاسع أن يمر بها دون أن....

ورغم ذلك فأنا أعرف منك أيضاً بأنني أحبك إلى حد أستطيع أن أغيب فيه ، بالصورة التي تشائين ، إذا كنت تعتقدين أن هذا الغياب سيجعلك أكثر سعادة ، وبأنه سيغير شيئاً من حقيقة الأشياء.


أهذا ما أردت أن أقوله لك حين أمسكت الورقة؟ لست أدري..ولكن صدقيني يا غادة أنني تعذبت خلال الأيام الماضية عذاباً أشك في أن أحدا يستطيع احتماله ، كنت أجلد من الخارج ومن الداخل دونما رحمة وبدت لي حياتي كلها تافهة ،


إن قصتنا لا تكتب ، وسأحتقر نفسي لو حاولت ذات يوم أن أفعل ، لقد كان شهراً كالإعصار الذي لا يُفهم ، كالمطر، كالنار، كالأرض المحروثة التي أعبدها إلى حد الجنون وكنت فخورا بك إلى حد لمت نفسي ذات ليلة حين قلت بيني وبين ذاتي أنك درعي في وجه الناس والأشياء وضعفي ، وكنت أعرف في أعماقي أنني لا أستحقك ليس لأنني لا أستطيع أن أعطيك حبات عينيّ ولكن لأنني لن أستطيع الاحتفاظ بك إلى الأبد .

وكان هذا فقط ما يعذبني ...إنني أعرفك إنسانة رائعة ، وذات عقل لا يصدق وبوسعك أن تعرفي ما أقصد: لا يا غادة لم تكن الغيرة من الآخرين.....كنت أحسك أكبر منهم بما لا يقاس ، و لم أكن أخشى منهم أن يأخذوا منك قلامة ظفرك .

لا يا غادة ....لم يكن إلا ذلك الشعور الكئيب الذي لم يكن ليغادرني ، مثل ذبابة أطبق عليها صدري ، بأنك لا محالة ستقولين ذات يوم ما قلتِه هذه الليلة.

إن الشروق يذهلني ، رغم الستارة التي تحوله إلى شرائح وتذكرني بألوف الحواجز التي تجعل من المستقبل - أمامي – مجرد شرائح....وأشعر بصفاء لا مثيل له مثل صفاء النهاية ورغم ذلك فأنا أريد أن أظل معك ، لا أريد أن تغيب عني عيناك اللتان أعطتاني ما عجز كل شيء انتزعته في هذا العالم من إعطائي . ببساطة لأني أحبك. وأحبك كثيراً يا غادة، وسيُدَمرُ الكثير مني إن أفقدك، وأنا أعرف أن غبار الأيام سيترسب على الجرح ولكنني أعرف بنفس المقدار أنه سيكون مثل جروح جسدي: تلتهب كلما هبت عليها الريح .

أنا لا أريد منك شيئاً وحين تتحدثين عن توزيع الانتصارات يتبادر إلى ذهني أن كل انتصارات العالم إنما وزِعَت من فوق جثث رجال ماتوا في سبيلها

أنا لا أريد منك شيئاً ، ولا أريد- بنفس المقدار- أبداً أبداً أن أفقدك.

إن المسافة التي ستسافرينها لن تحجبك عني ، لقد بنينا أشياء كثيرة معا ً لا يمكن ، بعد، أن تغيّبها المسافات ولا أن تهدمها القطيعة لأنها بنيت على أساس من الصدق لا يتطرق إليه التزعزع.

ولا أريد أن أفقد ( الناس) الذين لا يستحقون أن يكونوا وقود هذا الصدام المروّع مع الحقائق التي نعيشها...ولكن إذا كان هذا ما تريدينه فقولي لي أن أغيب أنا . ظلي هنا أنت فأنا الذي تعودت أن أحمل حقيبتي الصغيرة وأمضي ...

ولكنني هذه المرة سأمضي وأنا أعرف أنني أحبك، وسأظل أنزف كلما هبت الريح على الأشياء العزيزة التي بنيناها معاً..


غسان

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:53 pm

رسالة غبر مؤرخة ، ولكن سياق الكلام فيها يدل على أنها كتبت في القاهرة أواخر تشرين الثاني (نوفمبر)وقبل 29/11/1966 بيوم أو اثنين


عزيزتي غادة..

مرهق إلى أقصى حد : ولكنك أمامي ، هذه الصورة الرائعة التي تذكرني بأشياء كثيرة عيناك وشفتاك وملامح التحفز التي تعمل في بدني مثلما تعمل ضربة على عظم الساق ، حين يبدأ الألم في التراجع . سعادة الألم التي لا نظير لها . أفتقدك يا جهنم ، يا سماء، يا بحر. أفتقدك إلى حد الجنون . إلى حد أضع صورتك أمام عيني وأنا أحبس نفسي هنا كي أراك .

ما زلت أنفض عن بذلتي رذاذ الصوف الأصفر الداكن. وأمس رأيت كرات صغيرة منها على كتفي فتركتها هناك. لها طعم نادر كالبهار ....إنها تبتعث الدموع إلى عيني أيتها الشقية. الدموع وأنا أعرف أنني لا أستحقك: فحين أغلقت الباب وتركتني أمضي عرفت ، عرفت كثيراً أية سعادة أفتقد إذ لا أكون معك. لقد تبقت كرات صغيرة من الصوف الأصفر على بذلتي ، تتشبث بي مثلما أنا بك ، وسافرت بها إلى هنا مثلما يفعل أي عاشق صغير قادم من الريف لأول مرة.

لن أنسى. كلا. فأنا ببساطة أقول لك: لم أعرف أحدا في حياتي مثلك، أبداً أبداً . لم أقترب من أحد كما اقتربت منك أبداً أبداً ولذلك لن أنساك، لا...إنك شيء نادر في حياتي. بدأت معك ويبدو لي أنني سأنتهي معك.

سأكتب لك أطول وأكثر...لقد أجلوا المؤتمر إلى 30 ولكنهم سيسفروننا غداً ، الأحد إلى غزة كي نشترك بمآتم التقسيم. يا للهول. ويبدو أنه لن يكون بوسعي أن أعود للقاهرة قبل الرابع . وسأكون في بيروت يوم 6 كانون الأول على أبعد تعديل...إلا إذا فررت من المؤتمر وأتيتك عدْواً..

حين قرأ أحمد بهاء الدين حديثك لي خطفه، بل أجبرني على التعاقد معه لأكتب له مواضيع مماثلة ......قال لي وهو يهز رأسه: أخيراً أيها العفريت وجدت من يُسكت شراستك. سينشر الموضوع في (المصور) التي علمت أنها توزع في كل البلاد العربية أعداداً هائلة وتحوز على ثقة الناس واحترامهم ...ولكنني بالطبع لا أعرف متى..

وزعت كتبك.تحدثت عنك كثيراً .فكرت بك.بك وحدك..وأنت لا تصدقين..وأنت حين (أعذب نفسي في المساء) موجودة في الماي فير مع الناس والهواتف والضحك..

حاولي أن تكتبي لي: فندق سكارابيه شارع 26 يوليو .القاهرة فسيكون أحلى ما يمكن أن يلقاني حين عودتي رسالة منك لأنني أعرف أنك لن تأتين..


آه.. يا عزيزة

غسان كنفاني
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:53 pm

لم أكن أعرف أن فندق سكارابيه قد انتظر بهذا الكم من الـ

أ

ل

م


رسالة تُسّكّن الجراح ،،،

وتضمّد حبّ وُلِد وهو ينزف ،،،




آآآه يا عزيزة ...

/..../
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:55 pm

كازينو الأندلس - غزة
ANDALUS CASINO-GAZA

فندق الأندلس - غزة
EL-ANDALUS HOTEL-GAZA

فندق قصر البحر – غزة ت 603
SEA PALACE HOTEL-GAZA TEL603

كازينو هويدي – غزة ت 352
HAWAIDICASINO GAZA TEL352


غزة في 29/11/1966 Gaza



غادة

كل هذه العناوين المسجلة فوق، على ضخامتها ، ليست إلا أربع طاولات على شاطئ البحر الحزين ، وأنا ، وأنت، في هذه القارورة الباردة من العزلة والضجر. إنه الصباح، وليلة أمس لم أنم فقد كان الصداع يتسلق الوسادة كجيوش مهزومة من النمل ، وعلى مائدة الفطور تساءلت: هل صحيح أنهم كلهم تافهون أم أن غيابك فقط هو الذي يجعلهم يبدون هكذا؟ ثم جئنا جميعاً إلى هنا : أسماء كبيرة وصغيرة، ولكنني تركت مقعدي بينهم وجئت أكتب في ناحية، ومن مكاني أستطيع أن أرى مقعدي الفارغ في مكانه المناسب ، موجود بينهم أكثر مما كنت أنا.

إنني معروف هنا ، وأكاد أقول (محبوب) أكثر مما كنت أتوقع ، أكثر بكثير . وهذا شيء، في العادة ، يذلني، لأنني أعرف بأنه لن يتاح لي الوقت لأكون عند حسن ظن الناس ، وأنني في كل الحالات سأعجز في أن أكون مثلما يتوقعون مني . طوال النهار والليل أستقبل الناس ، وفي الدكاكين يكاد الباعة يعطونني ما أريد مجاناً وفي كل مكان أذهب إليه أستقبل بحرارة تزيد شعوري ببرودة أطرافي ورأسي وقصر رحلتي إلى هؤلاء الناس وإلى نفسي. إنني أشعر أكثر من أي وقت مضى أن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح وأنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه ، وذلك كله يشعرني بغربة تشبه الموت وبسعادة المحتضر بعد طول إيمان وعذاب ، ولكن أيضا بذل من طراز صاعق.........


ولكنني متأكد من شيء واحد على الأقل، هو قيمتك عندي..أنا لم أفقد صوابي بك بعد ، ولذلك فأنا الذي أعرف كم أنت أذكى وأنبل وأجمل. لقد كنتِ في بدني طوال الوقت ، في شفتي، في عيني وفي رأسي. كنتِ عذابي وشوقي والشيء الرائع الذي يتذكره الإنسان كي يعيش ويعود...إن لي قدرة لم أعرف مثلها في حياتي على تصورك ورؤيتك..وحين أرى منظراً أو أسمع كلمة وأعلق عليها بيني وبين نفسي أسمع جوابك في أذني ، كأنك واقفة إلى جواري ويدك في يدي . أحياناً أسمعك تضحكين، وأحياناً أسمعك ترفضين رأيي وأحياناً تسبقينني إلى التعليق ، وأنظر إلى عيون الواقفين أمامي لأرى إن كانوا قد لمحوك معي، أتعاون معك على مواجهة كل شيء وأضع معك نصل الصدق الجارح على رقابهم. إنني أحبك أيتها الشقية كما لم أعرف الحب في حياتي، ولست أذكر في حياتي سعادة توازي تلك التي غسلتني من غبار وصدأ ثلاثين سنة ليلة تركت بيروت إلى هنا .

أرجوك..دعيني معك. دعيني أراك.إنك تعنين بالنسبة لي أكثر بكثير مما أعني لك وأنا أعرف ولكن ما العمل؟ إنني أعرف أن العالم ضدنا معاً ولكنني أعرف بأنه ضدنا بصورة متساوية، فلماذا لا نقف معاً في وجهه؟ كفي عن تعذيبي فلا أنا ولا أنت نستحق أن نسحق على هذه الصورة. أما أنا فقد أذلني الهروب بما فيه الكفاية ولست أريد ولا أقبل الهروب بعد. سأظل، ولو وُضع أطلس الكون على كتفيّ، وراءك ومعك. ولن يستطيع شيء في العالم أن يجعلني أفقدك فقد فقدت قبلك ، وسأفقد بعدك ، كل شيء.

(إنني لا أستطيع أن أكرهك ولذلك فأنا أطلب حبك) ..أعطيك العالم إن أعطيتني منه قبولك بي..فأنا، أيتها الشقية، أعرف أنني أحبك وأعرف أنني إذا فقدتك فقدت أثمن ما لديّ ، وإلى الأبد..

سأكتب لك وأنا أعرف أنني قد أصل قبل رسالتي القادمة، فسأغادر القاهرة يوم 5 كانون وتأكدي : لا شيء يشوقني غيرك.


غسان كنفاني
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:56 pm

0/1/1967

عزيزتي غادة

صباح الخير..

ماذا تريدين أن أقول لك ؟ الآن وصلت إلى المكتب ، الساعة الثانية ظهراً ، لم أنم أبداً حتى مثل هذه الساعة إلا أمس ودخلت مثلما أدخل كل صباح : أسترق النظر إلى أكوام الرسائل والجرائد والطرود على الطاولة كأنني لا أريد أن تلحظ الأشياء لهفتي وخيبتي. اليوم فقط كنت متيقناً أنني لن أجد رسالة منك ، طوال الأيام ال17 الماضية كنت أنقب في كوم البريد مرة في الصباح ومرة في المساء . اليوم فقط نفضت يدي من الأمر كله، ولكن الأقدار تعرف كيف تواصل مزاحها . لقد كانت رسالتك فوق الكوم كله، وقالت لي: صباح الخير ! أقول لك دمعتُ

منذ سافرتِ سافرت آني ، وإلى الآن ما تزال في دمشق وأنا وحدي سعيد أحياناً ، غريب ٌ أحياناً وأكتب دائماً كل شيء إلا ما له قيمة ...حين كنتِ على المطار كنت أعرف أن شيئاً رهيباً سيحدث بعد ساعات: غيابك وتركي للمحرر، ولكنني لم أقل لك. كنتِ سعيدة ومستثارة بصورة لا مثيل لها وحين تركتك ذهبتُ إلى البيت وقلت للمحرر أن كل شيء قد انتهى.

إنني أقول لك كل شيء لأنني أفتقدك. لأنني أكثر من ذلك ( تعبت من الوقوف) بدونك.. ورغم ذلك فقد كان يخيل إلي ذات يوم إنك ستكونين بعيدة حقاً حين تسافرين.

ولقد آلمتني رسالتك. ضننت عليّ بكلمة حارة واحدة واستطعت أن تظلي أسبوعاً أو أكثر دون أن أخطر على بالك، يا للخيبة! ورغم ذلك فها أنا أكتب لك: مع عاطف شربنا نخبك تلك الليلة في الماي فير وتحدثنا عنك وأكلنا التسقية بصمت فيما كان صاحب المطعم ينظر إلينا نظرته إلى شخصين أضاعا شيئاً.

متى سترجعين؟ متى ستكتبين لي حقاً؟ متى ستشعرين أنني أستحقك؟ إنني انتظرت ، وأنتظر ، وأظل أقول لك : خذيني تحت عينيك..


غسان

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:58 pm

إنني أقول لك كل شيء لأنني أفتقدك. لأنني أكثر من ذلك
( تعبت من الوقوف) بدونك.. ورغم ذلك فقد كان يخيل إلي ذات يوم إنك ستكونين بعيدة حقاً حين تسافرين.


///


متى سترجعين؟ متى ستكتبين لي حقاً؟ متى ستشعرين أنني أستحقك؟ إنني انتظرت ، وأنتظر ، وأظل أقول لك : خذيني تحت عينيك..



///



ربّما لأنني أوّل مرّة أقرأ الرسائل كاملة ،،،

لا شيء يوقفني ،،،

أرى الوقت يركض ،،،

ولا أبالي ،،،

لا أريد شيئاً ،،،

لا جوع في قاموسي ،،، ولا عطش ،،،

من قال أنّ وقت النوم حان !!!

فلا وقت الآن ،،،

إلاّ لرفقة حبّ ,,, غسّان ،،،




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:59 pm

24/1/1967



غادة..يا حياتي!


كيف تقولين لي : (لا ألومك ، لك الحق .....في الدفاع عن توقيتك لرحلة صيد انتهت؟) كيف تفكرين لحظة واحدة بأن هذا التعيس الذي ينتظرك كما ينتظر وطناً ضائعاً يفعل ذلك؟ كيف تعتقدين أن ذلك الرجل ، الذي سلخت الشوارع قدميه، كالمجنون الطريد ، ينسى أو يوقّت أو يدافع عن نفسه أو يهاجم؟ ولكنني أغفر لك ، مثلما فعلت وأفعل وسأظل أفعل . أغفر لك لأنك عندي أكثر من أنا وأكثر من أي شيء آخر، لأنني ببساطة (أريدك وأحبك ولا أستطيع تعويضك) لأنني أبكي كطفل حين تقولين ذلك ، وأحس بدموعي تمطر في أحشائي ، وأعرف أنني أخيرا ًمطوقٌ بك ، بالدفء والشوق وأنني بدونك لا أستحق نفسي!.

أنت ، بعد، لا تريدين أخذي ، تخافين مني أو من نفسك أو من الناس أو من المستقبل لست أدري ولا يعنيني. ما يعنيني أنك لا تريدين أخذي ، وأن أصابعك قريبة مني ، تحوطني من كل جانب ، كأصابع طفل صغير حول نحلة ملونة : تريدها وتخشاها ولا تطلقها ولا تمسكها ولكنها تنبض معها..أعرف أعرف حتى الجنون قيمتك عندي ، أعرفها أكثر وأنت غائبة وأمس رأيت عمارات الروشة ، صدقيني ، عارية مثل أشجار سلخها الصقيع في البراري ، تطن عروقها الرفيعة في وجه السماء كأنها السياط..بدونك لا شيء. وهذا يحدث معي لأول مرة في عمري التعيس كله.

لماذا أنت معي هكذا؟ إنني أفكر بك ليل نهار ، أحياناً أقول أنني سأخلصك مني ويكون قراري مثل قرار الذي يريد أن يقذف نفسه في الهواء ، أحياناً أقول أنني سأتجلد، أنني ، كما توحين لي أحياناً ، أريد أن أدافع وأهاجم وأغير أسلوبي، أحياناً أراك: أدخل إلى بيتك فوق حطام الباب وأضمّك إلى الأبد بين ذراعي حتى تتكونا من جديد، عظماً ولحماً ودماً ، بحجم خاصرتك..ولكنني في أعماقي أعرف أن هذا لن يحدث وأنني حين أراك سأتكوم أمامك مثل قط أليف يرتعش من الخوف...فلماذا أنت معي هكذا؟ أنت تعرفين إنني أتعذب وإنني لا أعرف ماذا أريد . تعرفين إنني أغار، وأحترق وأشتهي وأتعذب. تعرفين إنني حائر وإنني غارق في ألف شوكة برية ..تعرفين..ورغم ذلك فأنت فوق ذلك كله ، تحولينني أحياناً إلى مجرد تافه آخر ، تصغرين ذلك النبض القاتل الذي يهزني كالقصبة، معك وبدونك......


أحياناً تأخذينني على محمل أقل ذكاء مما ينبغي . مَنْ الذي رأيتِه، أيتها الغالية ، في الثامنة والنصف من آخر ليلة كنت فيها في بيروت ؟ إنه شيء تافه وصغير ولكن يبدو أنني أحياناً أتوقف لأقتلع من راحة يدي شوكة في حجم نصف دبوس..ألا تفهمين أن هذا الذي ينبض داخل قميصي هو رجل شرقي خارج من علبة الظلام ؟ حتماً تعرفين. أنت هائلة في اكتشاف مقتلي لذلك تتهربين مني أحياناً ، لذلك (لا تقولين) ولذلك بالذات تقولين!

لنجعل من نفسينا معاً شيئاً أكثر بساطة ويسراً ، لنضع ذراعينا معاً ونصنع منهما قوساً بسيطاً فوق التعقيدات التي نعيشها وتستنزفنا .. لنحاول ذلك على الأقل. أنت عندي أروع من غضبك وحزنك وقطيعتك. أنت عندي شيء يستعصي على النسيان، أنت نبية هذا الظلام الذي أغرقتني أغواره الباردة الموحشة وأنا لا أحبك فقط ولكنني أؤمن بك مثلما كان الفارس الجاهلي يؤمن بكأس النهاية يشربه وهو ينزف حياته، بل لأضعه لك كما يلي: أؤمن بك كما يؤمن الأصيل بالوطن والتقي بالله والصوفي بالغيب .لا. كما يؤمن الرجل بالمرأة.

كتبت لك منذ أربعة أيام أو أكثر رسالة ، لم أكن أعرف عنوانك قبل ذلك، وكتبتها يوم وصلت رسالتك إليّ ، بعد خمسة أيام من وصول رسالتك لعاطف .. وأرسلت لك فيها قصاصات ( يقولون هذه الأيام في بيروت ، وربما أماكن أخرى ، أن علاقتنا هي علاقة من طرف واحد ، وأنني ساقط في الخيبة. قيل في الهورس شو إنني سأتعب ذات يوم من لعق حذائك البعيد . يقال أنك لا تكترثين بي وأنك حاولت أن تتخلصي مني ولكنني كنت ملحاحاً كالعلق . يشفقون علي أمامي ويسخرون مني ورائي ، ويقرأون لي كما يقرأون نماذج للشاعر المجنون ...ولكن ذلك كله يظل تحت ما أشعره حقاً ، فأنا أحبك بهذه البساطة والمواصلة التي لا يمكن فهمها في شارع الحمراء ، ولا على شفاه التافهين).

أرى عاطف أحياناً : يمر على مكتبي ونتحدث عنك ولكنه يشعر بالبرد فيذهب إلى بيته، أما أنا فالبيت أكثر برداً من أن أذهب إليه...يسألني عن شخص مسافر إلى لندن ، أعتقد أنك طلبت منه أن يرسل شيئاً لك..إنه في صحة جيدة ويضحك دائماً وموجود في كل مكان ، كما تعرفينه ومنذ أسبوع تقريباً ، ذهبنا وشربنا معاً كأساً صامتاً حوالي ساعتين. وأمس ليلاً كان هنا وقال لي أنه سيكتب لك فقلت له : أما أنا فقد فعلت. ضحك وفال : 12 صفحة ؟

منذ ذهبتِ سافرت آني لدمشق ، وحتى الآن لم تعد فالطريق مغلق بالثلوج والجو بارد ولكن سيارتي تتقد دائما وعجلاتها لا تكف عن سلخ الإسفلت، دونما هدف . الراديو أخرس ما يزال ، والشوفاج فوضى ، والزمور لا يصرخ إلا إذا انعطفت لليسار والسائقون الآخرون مستعجلون كما كنا نراهم دائما لا أفتح لهم الطريق إلا مع شتيمة وليلة أمس غيّرت عجلاً تحت المطر قرب المكان الذي غيرت فيه ذات يوم عجلاً صعباً معك ، وحين انتهيت خيل إلي أن وجهي كان مغسولاً بالدموع لا بالمطر: فقد فتحت باب السيارة وتوقعت أن يسقط رأسك المتكئ على الباب ، كما حدث ذلك اليوم.

تعالي ، يا أجمل وأذكى وأروع قطة في هذا العالم كله. ألم تشتاقي لماكس والقرد المدهوش والحطاب الغاضب والعجّانة ؟ ألم تشتاقي لغسان؟

كنت آسفاً جداً حين كتبت لك عن تلك الألمانية التي نسيت اسمها الآن . خشيت أن تتصوري أنني أمتع نفسي بطريقة أو بأخرى . لا. لقد كانت كأساً باردة لكحول عمياء أمام طاولة رجل طريد . إن الحرية لا يمكن أن تكون شيئاً يأتي من الخارج ، وأنا الآن طليق إلى أبعد حد ، ولكنني حين ألتفت أسمع أصوات السلاسل الغليظة تخش وترن في صدري..

أريد أن أكتب لك ، أن أكتب لك كل لحظة ، ليل نهار: في الشمس التي بدأت تشرق بحياء ، تحت سياط الصقيع ، في الصباح البارد والمساء والعتمة، في ضياعي وجنوني وموتي ..( اطمئني : إن صحتي جيدة ، وآخر ثلاثة أيام كنت مريضاً جداً ولكنني لم أنم ، واليوم أتحسن) لم أكتب شيئاً في روايتي ، أعمل في المحرر كما كان يعمل العبيد العرايا في التجديف ، لدي فكرة لمسرحية سترينها في الأوراق الخاصة لا أعرف متى سأكتبها..أعرف فقط أنني أنتظرك.

أنتظرك . أنتظرك. أنتظرك. وأفتقدك أكثر مما في توق رجل واحد أن يفتقد امرأة واحدة، وأحبك ، ولن أترك أبداً سمائي التي تحدثت عنها " تفجر الثلج" ، إنني فخور بآثار خطواتنا ولا أريد لشيء ، حتى السماء ، أن تكنسها.


غسان كنفاني

بيروت " الآن وغداً وإلى الأبد "

ولكن صادف أن كتب في 24/1/1967


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 5:59 pm

بيروت 31/1/1967



عزيزتي غادة..

وصلتني رسالتاك ، فيهما قصاصات من الأوراق الخاصة .بحركة صغيرة ، شحطة واحدة فوق نهايات الحروف أعدتِ إلى عالمي المعنى والتوهج وجلدني الشوق لك وأسرني ذكاؤك الذي أفتقده بمقدار ما أفتقد كفيك وكتفيك..

أيتها الشقية الحلوة الرائعة ! ماذا تفعلين بعيداً عني ؟ أقول لك همساً ما قلته اليوم لك على صفحات الجريدة : ( سأترك شعري مبتلاً حتى أجففه على شفتيك!) أنني أذوب بالانتظار كقنديل الملح. تعالي!

أحس نحوك هذه الأيام – أعترف – بشهوة لا مثيل لها . إنني أتقد مثل كهف مغلق من الكبريت وأمام عيني تتساقط النساء كأن أعناقهن بترت بحاجبيك. كأنك جعلت منهن رزمة من السقط محزومة بجدولتك الغاضبة الطفلة..لا. ليس ثمة إلا أنت . (إلى أبدي وأبدك وأبدهم جميعاً) ...وسأظل أضبط خطواتي ورائك حتى لو كنتِ هواءً.. أتسمعين أيتها الشقية الرائعة؟ حتى لو كنتِ هواءً! ولكنني أريدك أكثر من الهواء. أريدك أرضاً وعَلَماً وليلاً...أريدك أكثر من ذلك. وأنتِ؟

ليس لدينا أخبار كثيرة هنا . آني عادت فجأة . أرى عاطف وكمال غالباً وأمس سهرت مع آرتين ومع فواجعه و"بوزاته" ..عاطف جاء أمس ودخل إلى المكتب غاضبا وتشاجر مع كمال لأنه لم يره منذ فترة ثم سألني : أين كنت يوم السبت؟ غادة أرسلت شخصاً وفتشت عليك في المكتب والبيت طوال الليل والنهار! يا عاطف العزيز كنت في البيت وفي المكتب! لا . نعم . وانتهى الأمر هنا . غداً صباحاً سأسافر إلى القاهرة لحضور مؤتمر الصحفيين العرب وسأعود الاثنين أو الأحد ...هل سأجدك هنا؟ سيكون عنواني هناك : (بواسطة مروان كنفاني ، جامعة الدول العربية ، قسم فلسطين). اكتبي لي ، فقد يكون المطر غزيراً هناك ، أحتاج إلى حروفك لأفرش أمامها راحتيّ التواقتين لك!

بلى. خبر مهم: أحدهم وزع خبراً على الصحف يوم الجمعة الماضي: " سيتم في جو عائلي ، خلال الأسبوع القادم ، زفاف الزميل غسان كنفاني على الأديبة المبدعة غادة السمان.." المحررون في الصحف عرفوا فرموا الخبر . في آخر لحظة اتصل بي زميل من صحيفة ما يريد أن يبارك لي ويعاتبني على عدم إخباره..ثم أخذ يركض إلى المطبعة فشال السطرين الهائلين عن الطابعة..مرت العاصفة وأنا غير مكترث..لم تكن غلطة الذي دس الخبر ولكن غلطة السنوات الخمس التي مرت، لا شيء. مزيداً من الذين يقولون: سيتعب ذات يوم من لعق حذائها. مسافر من دمشق جاء ليقول لي أن دمشق تتحدث عنكِ ،حسناً، وعني. قال إن الأوراق الخاصة تظهر أنك معذب ومهزوم وتصطدم بالزجاج كأنك ريح صغيرة . ثم نظر إلي وأنا صامت وأبلغني : حرام.

اكتبي لي..لماذا لا تكتبين؟ لماذا؟ لماذا أيتها الشقية الحلوة؟ أتخافين مني أم من نفسك أم من صدق حروفك ؟ اكتبي

غسان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 6:00 pm

هذه العبارة سطرها على مظروف الرسالة من الخارج تاريخها1/2/1967





أدهشني حين وصلت إلى القاهرة أنني لم أجد رجلاً ينتظرني هناك ويقول : هذه رسالة لك يا سيدي من لندن..

يذهلني أنني حين أرفع سماعة الهاتف في هذه الغرفة العالية لم أسمع على الطرف صوتك ..

أقول لك : يخيفني أن أرفع رأسي الآن ، عن هذه الرسالة، فلا أجدك جالسة في المقعد المقابل



///







وحمل لي الرسالة يومئذٍ من القاهرة المرحوم سليم اللوزي "وكان غسان يكتب في الحوادث أحياناً باسم مستعار هو ربيع مطر" وقد اختار اللوزي اسم ربيع لأنه اسم ابنه الوحيد الذي مات صغيراً وبعد غسان كتب آخرون بالاسم المستعار نفسه ، ولا أظن أن كتاباته هذه تم جمعها. وأحب أن ألفت إليها أنظار طلاب الجامعات عسى أن يهتم أحد بجمعها في أطروحات جامعية كما أحب أن أذكر بكتابات غسان في جريدة المحرر البيروتية في زاوية أوراق خاصة في فترة عمله هناك إلى جانب كتابات كنفاني آخر الستينات في ملحق جريدة الأنوار الذي كان يرأس تحريره وهي كتابات بعضها باسمه وبعضها الآخر باسم مستعار هو فارس فارس






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 6:01 pm

فندق

كليوباترا

في قلب القاهرة..ميدان التحرير

تليفون 70420(10خطوط)

تلغرافيا "كليوتيل" القاهرة



CLEOPATRA

PALACEHOTEL

In the heart of modern Cairo

Tahreer square

Tel . 70420-(10lines)

TEL.ADDRESS-cleotel




ليل 1/2/1967



عزيزتي غادة ... يلعن****!

ما الذي حدث؟ تكتبين لكل الناس إلا لي؟ اليوم في الطائرة قال لي سليم اللوزي أنك كتبت له أو لأمية لم أعد أذكر ، وأمس قال لي كمال أنه تلقى رسالة منك... وآخرين! فما الذي حدث؟ لا تريدين الكتابة لي؟ معلش! ولكن انتبهي جيداً لما تفعلين: ذلك سيزيدني تعلقاً بك!

اليوم صباحاً وصلت إلى القاهرة ، وفي الظهر مرضت ، ربما لأنني لم أنم أمس إطلاقاً ، وربما لأن الطقس تغير فجأة : من البرد الخبيث المتسلل من الجبل إلى بيروت ، (إلى قميصي بالذات!) إلى الشمس الصريحة في الدفء الشتوي الرائع هنا ..وهكذا تخلصت من مسؤولياتي في المؤتمر، وتشاجرت مع شقيقي وقمت بجولة في المقاهي حيث قابلت الأصدقاء وعدت، لأكتب لك!

يكبر غيابك في صدري بصورة تستعصي على العلاج ، يدهشني أنني لم أجد في المطار شخصاً يقول لي : رسالة لك يا سيدي من لندن.

يخفق قلبي كلما دق جرس الهاتف في هذه الغرفة العالية ثم لا أسمع صوتك ينادي كالوشوشة: (غهسآن!) أقول لك أيتها الشقية : أخاف أن ألتفت هذه اللحظة إلى الكرسي المقابل فلا أراك هناك! ماذا تراك تفعلين الآن؟ أعوّضت غسانك التعيس؟ هل وفقت في استبدال سذاجته وحدته وضيق أفقه وسخافاته ( واستقامته الطفلة) بشيء أكثر جدوى؟ أتعتقدين أنك نجحت في طمري تحت أوراق سقوطهم إلى القمة ؟ هل نجحت قطع الضباب بلندن في تكوين نعش لذكرياتنا ؟ هل جف مرج الشوك الحلو؟ هل ستعودين؟

لو كنتِ هنا . لو كنتِ معي في هذه الغرفة البعيدة العالية لكان العالم. دونك لا يستطيع الجدار أن يخبأ شيئاً . أتراك تشعرين كم يموت عمرنا أمام أعيننا؟ أتراك تحسن وأنت في منفاكِ الاختياري كم يقتلني خوفك وكم يحز ترددك في أوردتي ؟ ثم لا تكتبين! إذا كنتِ تعتقدين إنك حرام ٌ على يديّ فهل حروفك حرامٌ على عينيّ؟ ومع ذلك فسأترك بيادر القش تلتهب في صدري وجسدي حتى يأتي ذات يوم تطفئها فيه راحتاك . أنت. أيتها المرأة قبل ألف مرة من أن تكوني أديبة وكاتبة. أنت، الأديبة والكاتبة والذكية التي تجعل منك ألف امرأة!

إنني مريض حقاً . لا أريد أن أشعرك بأي قلق عليّ (إن كان ذلك ممكناً) ولكن الغرفة تدور الآن ، وكالعادة أحتاج كما أعتقد إلى نوم كثير...بطاقتك التي وصلتني إلى بيروت (شو هالبرد) كانت رائعة، هل قلت لك ذلك في الرسالة الماضية؟ أريد أن أجد لدى عودتي صندوقاً من الرسائل في حجم شحنة ويسكي. أوصيت زميلاً أن يحمل لك 20 علبة (سالم) ، سمعت عاطف يقول إنه تلقى منك طلباً بهذا الموضوع، أرجو أن يكونوا قد وصلوا، إذا وصلوا لا تنفخي مع دخانهم اعتزازي بك، وبكل شيء لك ومنك وعنك

غسان

اليوم الأربعاء.. اعتقد أنني سأعود السبت إلى بيروت ، أريد أن أقرأ منك!.




=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=


لأمية : أمية اللوزي زوجة سليم وهما صديقان حميمان لنا

كمال : كمال طعمة، صديق مشترك كان يشاركنا السهر وعاطف السمرا وسواهما من الأصدقاء.

المؤتمر : المؤتمر السياسي لاتحاد الصحفيين العرب وكان غسان منتدباً من إحدى المنظمات لتمثيل فلسطين.

سقوطهم إلى القمة اسم رواية كنت أعمل عليها.

(شو هالبرد) : كتبت من لندن إلى غسان بطاقة فيها عبارة واحدة : شو هالبرد!..

(سالم) : نوع من السجائر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 6:02 pm




/

/


إذا كنتِ تعتقدين إنك حرام ٌ على يديّ فهل حروفك حرامٌ على عينيّ؟

/

/

/




فندق كليوباترا



CELOPATRA

PALACE HOTEL


القاهرة 4/2/1967



عزيزتي الشقية ، الضائعة ، المسافرة التي لا تتذكر‍

غداً ظهراً سأكون من جديد في الفراغ الجديد في بيروت، لقد حدثت أمور هامة هنا منذ وصلت، فقد أبلغتني المنظمة التي انتدبتني لتمثيل فلسطين في المؤتمر السياسي لاتحاد الصحفيين العرب أنها قررت فجأة ، ولأسباب تافهة كما يبدو لم يقدر لي أن أعرفها، أن تقاطع المؤتمر ، وهكذا وجدتني فجأة بلا عمل ، وجعلني هذا الوضع أكثر استعداداً لأن أسقط في المرض الذي كنت أترقبه بجزع، وأمس حدث ما كنت أتوقعه : فقد أمضيت معظم نهاري في الفراش. كنت في الليلة التي سبقت قد حولت صدري إلى زجاجة معبأة بالدخان المضغوط ، دخنت 6 علب وأمضيت النهار التالي أسعل وأدخن وأسعل وأدخن من جديد ، وأمس ليلا كان جسدي قد تعب من هذه اللعبة واستسلم أمام عنادي، وهكذا قمت فسهرت عند بهاء ثم اقتادني الأصدقاء بعد ذلك إلى الليل ونمت في الصباح...وغداً الأحد سأعود ، إذا لم يطرأ أي جديد .

عبر ذلك كله جئتِ أنت ِ ، وكنت معي رغم أنفك ورغم جميع الذين كانوا معك والذين كانوا معي ، وفكرت بك بهدوء ، كما يجلس الإنسان العاقل ليلعب الشطرنج معتزماً أن يربح الجولة بأي ثمن ، وقلت لنفسي : يا ولد ، أنت أصغر من أن تكون دونها وأعجز من أن تغلق الباب . كان "الملك" ،على رقعة الشطرنج ، معذباً وبعيداً عن جواده وقلعته ورغم ذلك فقد كان يقاتل بكل دمائه النبيلة، ناجحا في أن يتجنب التلطيخ بوحل الميدان الشاسع وحمأ الهزائم . كان يعرف أن التراجع موت وأن الفرار قدر الكذابين. ، إنه فارس اسبارطي حياته ملتصقة على ذؤابة رمحه، يعتقد أن الحياة أتفه من أن تعطيه ، وأنه أكبر من أن يستجدي، ولكنه يريد أن يأخذ وأن يعطي بشرف مقاتل الصف الأول. ليس لديه ما يفقده ورغم ذلك فهو يعرف أنه إذا فقد هذا الشيء الوحيد الذي يعتز به فإنه سيفقد نفسه. إنه المقاتل والخصم والميدان والسلاح في وقت واحد معاً ، فكيف يربح وكيف يخسر؟ كيف يكون التقدم وكيف يكون التراجع : هذه هي أيتها الشقية لعبة شطرنج لا تنتهي، يظل اللاعب حاضناً رأسه الثقيلة بين كوعيه يتبادل النظر مع الملك الصامت على الرقعة المزدحمة بخبب السنابك المهزومة ،دون أن تستطيع الجياد مغادرة الرقعة المقطعة بأقدار الرجال والخيول والملوك الذين يذلهم أنهم لم يولدوا على صهوات خيلهم كما تولد التوائم السيامية .

إنني أريدك بمقدار ما لا أستطيع أخذك، وأستطيع أن آخذك بمقدار ما ترفضين ذلك ، وأنت ترفضين ذلك بمقدار ما تريدين الاحتفاظ بنا معاً ، وأنت وأنا نريد أن نظل معا بمقدار ما يضعنا ذلك في اختصام دموي مع العالم.. إنها معادلة رهيبة ، ورغم ذلك فأنا أعرف بأنني لست أنا الجبان، ولكنني أعرف بأن شجاعتي هي هزيمتي ، فأنت تحبين ، فيّ، أنني استطعت إلى الآن أن لا أخسر عالمي ، وحين أخسره سأخسرك، ومع ذلك فأنا أعرف أنني إذا خسرتك خسرته.

أستطيع أن أكتشف ذلك كله كما يستطيع الجريح في الميدان المتروك أن ينقب في جروحه عن حطام الرصاص ، ومع ذلك فهو يخاف أن ينتزع الشظايا كي لا ينبثق النزيف. إنه يعرف أن الشظية تستطيع أن تكون في فوهة العرق المقطوع مثلما تكون سدادة الزجاجة ويعرف أن تركها هناك ، وحيداً في الميدان ، يوازي انتزاعها. فالنهاية قادمة ، لا محالة...ولو كان شاعراً فارساً يمتطي صهوة الصحراء الجاهلية لاختار أن يموت رويداً رويداً : يده على كأسه الأخيرة وعينه على النزيف الشريف.

ليقف الفارس في ذلك الخلاء الأجرد ويصيح في وجه الريح: إنني أحبك ! فذلك هو قدره الذي تتوازى فيه الخسارة بالربح . إنك الخصب ،أيتها الجميلة الشقية .. وليس ثمة إلا أن أنتظرك في غيابك وفي حضورك . في الشمس وفي المطر ، تحت تطاير الكلمات من شفاهنا وبين التصاقهما. وثمة حقول من طحلب غير مرئي اسمه الانتظار تنمو على راحتي يدينا حين تمطر فوقهما المصافحة ، هناك جسر من الانتظار تشده أهدابنا إلى بعضها حين تتبادل النظر . إن الانتظار ، فيما بيننا ، حفرة تكبر كلما عمقت أظافرنا اكتشافها ، إننا لا نستطيع أن نردمها بأي شيء فليس في علاقتنا ما نستطيع أن نستغني عنه لنخطو إلى بعضنا فوقه .اكتبي أيتها الحلوة الذكية . تمسكي بهذا الشيء الذي يستطيع أن يكون إلى الأبد درعك أكثر مما يستطيع أي رداء مبتكر ( وقصير) أن يفعل. بوسعك أن تقتحمي العالم على منقار صقر فما الذي يعجبك في حصان طروادة ؟ إنني واثق من شيء واحد : بالنسبة لك الحياة ملحمة انتصار تبدأ من العنق فما فوق ،فلتجعلي همك هناك. لغيرك أن يعتقد أن حياته لها قمة هي الكتفان . بوسعك أن تدخلي إلى التاريخ ورأسك إلى الأمام كالرمح ، كالرمح. أنت جديرة بذلك وليس من هو أكثر منك جدارة . اطّرحي مرة وإلى الأبد حيرتك الأنثوية المغيظة بين رأسك وركبتيك فتكسبي مرة وإلى الأبد رأسك ورؤوس الآخرين وعظمة أنوثتك وجمالها الأخاذ الصاعق المفعم بالكبرياء . إنني أحبك كما لم أفعل في حياتي ، أجرؤ على القول كما لم يفعل أي إنسان وسأظل. أشعر أن تسعة شهور معك ستظل تمطر فوق حياتي إلى الأبد . أريدك. أنتظرك وسأظل أريدك وأنتظرك، وإذا بدلك شيء ما في لندن ، ونسيت ذات يوم اسمي ولون عينيّ فسيكون ذلك مواز لفقدان وطن. وكما صار في المرة الأولى سيصير في المرة الثانية : سأظل أناضل لاسترجاعه لأنه حقي وماضيّ ومستقبلي الوحيد. لأن لي فيه شجرة وغيمة وظل وشمس تتوقد وغيوم تمطر الخصب وجذور تستعصي على القلع.

اكتبي لي . هذه اللحظة وقولي : سأظل معك وسنظل معاً


غسان



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 6:04 pm

إنك الخصب ،أيتها الجميلة الشقية .. وليس ثمة إلا أن أنتظرك في غيابك وفي حضورك . في الشمس وفي المطر ، تحت تطاير الكلمات من شفاهنا وبين التصاقهما. وثمة حقول من طحلب غير مرئي اسمه الانتظار تنمو على راحتي يدينا حين تمطر فوقهما المصافحة ، هناك جسر من الانتظار تشده أهدابنا إلى بعضها حين تتبادل النظر . إن الانتظار ، فيما بيننا ، حفرة تكبر كلما عمقت أظافرنا اكتشافها ، إننا لا نستطيع أن نردمها بأي شيء فليس في علاقتنا ما نستطيع أن نستغني عنه لنخطو إلى بعضنا فوقه .


/

/
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 6:05 pm

بيروت3

/نيسان1967



يا غادة!

تلقيت رسائلك جميعا، ولم يؤخرني عن الجواب إلا ذلك الغرق المخيف في أشغال لا نهاية لها توجها مؤتمر الكتاب الأفرو آسيوي الذي عقد هنا خلال الأسبوع الماضي وشغلني من الفجر إلى النجر..كان اسمك في قائمة الكتّاب الذين يمثلون سوريا وكنت أقرؤه كل يوم ، وأقول مثلما قلتِ في إحدى رسائلك: إن ما يدور مفجع حقاً!

وعبر هذا الازدحام الذي لا مثيل له أنهمك كالمصاب بالصرع في كتابة المسرحية التي تحدثنا عنها في السيارة ذات يوم ، ذات ليلة..إنني أستشعر وأنا أكتبها طعم صوتك وبريق عينيك الإلهيتين في تلك الليلة النادرة التي كناها معاً ( أواه كم كان ذلك نادراً ومفاجئاً وقصيراً!) وأحس كفيك على جبيني المحروق تستحثني مثلما يستحث المهماز خاصرة الأصيلة . أسميتها "حكاية الشيء الذي جاء من الفضاء وقابل رجلاً مفلساً" وأمس اقترحت لنفسي عنواناً آخر: "النبي والقبعة" على أساس أن القبعة تستر رأس الرجل من الخارج والنبيّ يستره من الداخل..ومازلت في حيرة ، ولكن المسرحية تمشي على ما يرام . إنني أكتبها لك!

لنعد إلى رسائلك الرائعة ورسائلي "المفجعة" ..أجل ، أيتها الشقية، أنا غاضب ومهرق ومطعون..كنتِ تلك الليلة مريعة. آخر ليلة .كنتِ مثلما أردتك دائماً معي وحدي ولكنك لم تكوني معي، وكان هو وكنتِ سعيدة إلى حد زلزلني صوتك الضاحك وفتح في رئتيّ جرحاً ما زلت أحس نزيفه يبلل قميصي: لقد عملتُ في المكتب مثل كلب لاهث ، ألغيت، لأول مرة في حياتي ، دعوة كنت وجهتها لصديق مسافر في اليوم التالي وركضت إليكِ: لا إن ذلك لا يحتمل.

وأمس فقط وصلتني رسالتك التي يقول أولها غسان ويأتي توقيعك في آخرها وبين هذين القلبين السياميين فراغ ثقيل يملؤه البياض : أبغض الألوان إليّ. وفكرت أن أملأ ذلك الفراغ. أن أكتب عنك لنفسي شيئاً . أن أجيب على هذا السؤال الذي طرحته ورقتك البيضاء في وجهي: مالذي أريد أن تقوله لي؟ قلت :سأكتب "أنا لك" ولكن ذلك – حتى ذلك- لم يكن يكفي . قلت سأكتب : " أحبك وأريد أن.." أريد ماذا؟ وعدت فقرأت رسائلك جميعاً وأنا أرتجف ..آه يا غادة..أيتها الشقية التي لم ترتطم إلا بالشقيّ !

دونك أنا في عبث . أعترف لك مثلما يعترف المحكوم أخيراً بجريمة لم يرتكبها وهو في طوق المشنقة ، كي يبرر لنفسه نهاية لا يريدها.

أنا أعرف أنك لن تعودي إلى هنا . كنت أعرف ذلك منذ البدء ، تماماً حين كنتِ، بذكائك الذي يخونك حين تكذبين ، تقولين لي كم سيكون مستقبل علاقتنا مستقراً ...وكنتُ أبكي بتلك الدموع المروّعة (التي لا تُرى) مرتين: مرة لأنك ستمضين ومرة لأنك تشكّين برأسي!

وكيف حالك الآن؟ كم صار سُمك الغبار الذي راكمته لندن فوق وجهي ؟ أما أنتِ فقد دخلت إلى عروقي وانتهى الأمر ، إنه لمن الصعب أن أشفى منك.

لقد كانت رسائلك رائعة وحادة . حمّلني عذابُك ولؤمك ثقل المسؤولية والشعور بالذنب ولكن ذلك لم يكن له علاقة بالاقتناع : إنني أريدك وأحبك وأشتهيك وأحترمك وأقدس حرفك.. ولست أقبل تلوين ذلك بأي طلاء أو وضعه في صيغ التحفظ . لا. لست عاجزاً عن إعطاء أكثر مما أعطيت ولكنك دائماً –أنتِ- التي كنت عاجزة عن الأخذ . كنت تحسبين نبضي ونبضك على جدول اللغريتمات ، كنت تختارين مني أسوأ ما فيّ وتمزجينه مع ما اخترتِ من أسوأ تجاربك، وكانت الحصيلة قزماً توقعتِ منه أن يدخل فرحاً إلى غرفة أنت فيها بملابس النوم مع رجل آخر ، عشية غيابك،! لقد قتلتِ فيّ الرجل لتعبدي وهماً ليس أنا..ووجدتِ في اندفاعي فرصتك لتريْ كيف تستطيعين تعذيبي !


وكان عليك أن تتوقعي ما حدث : لم أصدق قط أنك ضد أخذ العلاقة إلى مداها . أنت امرأة حقيقية حتى كعب حذائك وقد عرفتُ ذلك. إذن ما الذي كان يرغمك على بناء جدار الجليد ؟ رجل آخر؟ مزيداً من الذل؟ أمور أكثر تعقيداً ؟ لماذا لم تعتقدي لحظة أنني قد آخذ من هذه الاتهامات متراساً أصد به الرماح التي كانت تنال من رجولتي ورغم ذلك: انظري ما الذي ضيّعناه! انظري ! عام كامل من المشي على الزجاج المطحون لماذا؟ من المسؤول؟ كيف تريدين أن أتصرف ؟ هاك دواء يصلح للتحنيط، ضعيه في عروقي واجعلي مني شطرين أسند رف كتب تافه في غرفة لك، لا أعرف من فيها!

تريدين أن تقولي لي أن روعة علاقتنا كانت في أنها لم تكن؟إنني لا أصدق . ولست أريد أن أصدق. إنني لا أقيس جسدي بصيغ التهرب والخذلان ، وأقول لك: اليوم وغداً وإلى الأبد أنك أهنتِ فيّ ما أعتز به أكثر مما كتبت وأكتب وسأكتب.

يبدو أننا سنتشاجر مرة أخرى..ولكن أرجوك يا غادة. اجلسي لنفسك قليلاً واستعيدي ما فعلته بي عاماً كاملاً ، كان الصمت أكثر من الكلام. كان البعد أكثر من القرب. كان الوهم أكثر من الحقيقة . كان الرفض أكثر من القبول. كان التحايل أفظع من المواجهة...لقد حرصتِ مثلاً في الأيام الأخيرة على المطالبة بأسطواناتك بانتظام وبإصرار، ولكنك أبداً لم تفكري بكم أحتاج لآلة التصوير ولأسطواناتي..وسافرتِ دون أن تكترثي! إنها تلخص شيئاً أكبر من مجرد هذه الأشياء : لو فكرتِ قليلاً. لو عدلتِ. لو أعدتِ بينك وبين نفسك تقييم ما كنتِه لي وما كنته لك ...لو عرفت أنني في عام كامل كنتُ دائماً عندك ولك!

يا حبيبتي الشقية..ما الذي يبقى ؟ ما قيمتي الآن دونك وما نفع هذا الضياع ونفع هذه الغربة؟ لم يكن أمامنا منذ البدء إلا أن نستسلم : للعلاقة أو للبتر، ولكننا اخترنا العلاقة بإصرار إنسانين يعرفان ما يريدانه..لقد استسلمنا للعلاقة بصورتها الفاجعة والحلوة ومصيرها المعتم والمضيء وتبادلنا خطأ الجبن: أما أنا فقد كنت جباناً في سبيل غيري ، لم أكن أريد أن أطوّح بالفضاء بطفلين وامرأة لم يسيئوا إليّ قط مثلما طوّح بي العالم القاسي قبل عشرين عاماً، أما أنت فقد كان ما يهمك هو نفسك فقط.. كنت خائفة على مصيرك وكنتُ خائفاً على مصير غيري، وقد أدى الارتطام إلى الفجيعة لا هي علاقة ولا هي بتر ..أتعتقدين أننا كنا أكثر عذاباً لو استسلمنا للقطيعة أو لو استسلمنا للعلاقة؟ لا!

أما أنا فأريد العلاقة . ذلك " الاستسلام الشجاع" لحقيقة الأشياء ...تحدثتِ أنتِ عن " أكثر الميتات كرامة" ..هل تقولين أينها؟ في العلاقة أم البتر؟ قولي شيئاً بحق الشياطين!

سأظل أكتب لك. سأظل .وسأظل أحبك. وستظلين بعيدة..وستظل قدمي تنتفض باتجاه مكبح السيارة كلما مررت في رأس النبع وشهدت سيارتك واقفة هناك على الرصيف ..أنتِ تسكنين فيّ .أنتِ. وليس "كلماتك" كما كتبت لي.أنتِ ‍


لكِ ...

غسان كنفاني



هام: كان أحمد بهاء الدين عندي اليوم وطلب مني جادا ورسميا أن أكتب لك رجاءه ورجاء مؤسسته – دار الهلال – بأن تكتبي للمصور من لندن رسائل أدبية وفنية وإذا شئت سياسية بأسلوبك. إن المصور مجلة جادة وذات توزيع مرتفع وتدفع أسعارا جيدة –إذا رغبت بذلك ابعثي له رسالة إلى دار الهلال بالقاهرة...إن ذلك في رأيي مرحلة جيدة ومفيدة ، وسيكون الاتفاق واضحا يحولون لك الفلوس إلى لندن أو يفتحون بها حسابا لك في القاهرة- إنه يهديك تحياته أيضا



=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

وكان هو : أحد أصدقائي ، وصل من دمشق فجأة ، فسهرت معه عشية سفري ومع غسان الذي تضايق من حضوره

رأس النبع : حيث بيت عاطف السمرا الذي استودعته سيارتي حين سافرت.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الأصيلة
تقدمي نشيط جدا
تقدمي نشيط جدا


انثى
عدد الرسائل : 246
تاريخ التسجيل : 11/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان   السبت أبريل 12, 2008 6:07 pm

غادة..


لست أعرف ماذا يتعين عليّ أن أكتب لك..لقد أرسلت لك رسالة مطولة منذ أسبوع ، ومع ذلك فرسائلك تقول أنك لم تتسلمي شيئاً ، وأنا أشعر بالذنب، وأخشى أن تعتقدي للحظة أنني ألعب دوراً ، أو أن نبضي لك قد أخذ يخفق في فراغ، أو أنه صمت ، أو أنه اتجه نحو مرفأ آخر: دونك أيتها الغالية لا شيء ولا أحد ..وغيابك – ليكن من يكن الذي سيختاره – لن يعوض.. بعدك مستحيل. دونك لا شيء ولكن غيرك غير ممكن.

أنت في جلدي، وأحسك مثلما أحس فلسطين : ضياعها كارثة بلا أي بديل ، وحبي شيء في صلب لحمي ودمي ، وغيابها دموع تستحيل معها لعبة الاحتيال.

لقد وقع الأمر ، ولا فرار..العذاب معك له طعم غير طعم العذاب دونك ، ولكنه ، عذاب جارح ، صهوة تستعصي على الترويض.

إنني أكره ما يذكرني بك ، لأنه ينكأ جراحاً أعرف أن شيئاً لن يرتقها. أنا لا أستطيع أن أجلس فأرتق جراحي مثلما يرتق الناس قمصانهم...ويا لكثرة الأشياء التي تذكرني بك : الشعر الأسود حين يلوّح وراء أي منعطف يمزّع جلدي ، النظارات السود ما تزال تجرحني....السيارات ، الشوارع ، الناس ، الأصدقاء الذين تركتِ على عيونهم بصماتك ، المقاعد ، الأكل ، الكتب ، الرسائل ، المكتب ، البيت ، الهاتف ، كل ذلك ، كله..هو أنت ، وقبله : أذكرك طالما أنا أنا..وحين أنظر إلى كفيّ أحسك تسيلين في أعصابي..وحين تمطر أذكرك ، وحين ترعد أسأل: من معها؟ وحين أرى كأساً أقول : هي تشرب؟ ثم ماذا؟

لقد صرت عذابي ، وكتب عليّ أن ألجأ مرتين إلى المنفى ، هارباً أو مرغماً على الفرار من أقرب الأشياء إلى الرجل وأكثرها تجذراً في صدره : الوطن والحب .

وإذا كان عليّ أن أناضل من أجل أن أسترد الأرض فقولي لي: أنت ِأيتها الجنية التي تحيك، كل ليلة ، كوابيسي التي لا تحتمل ..كيف أستردك؟

أقول لك ، دون أن أغمض عينيّ ودون أن أرتجف : إنني أنام إلى جوارك كل ليلة، وأتحسس لحمك وأسمع لهاثك وأسبح في بحر العتمة مع جسدك وصوتك وروحك ورأسِك ، وأقول وأنا على عتبة نشيج : يا غادة يا غادة يا غادة...

وأغمض عينيّ.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
غسان كنفاني (رسائل تحت الشمس) الى غادة السمان
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: القسم الثقافي :: منتدى الثقافة والمعلومات العامة-
انتقل الى: